هل يمكن خبز الساوردو في فرن لا يتجاوز ٢٠٠°م؟
من أكثر التحديات التي قد تواجه محبي خبز الساوردو أن بعض الأفران المنزلية لا تصل إلى درجات الحرارة العالية التي يُفضّل استخدامها في بداية خبز الأرغفة الحرفية.
فهل يعني ذلك ضرورة تغيير الفرن؟
ليس بالضرورة.
أجريت تجربة بسيطة تقوم على مبدأ مختلف: بدلاً من الاعتماد على الفرن وحده لتوفير الحرارة الأولية المرتفعة، يمكن الاستفادة من الكتلة الحرارية للقدر الهولندي المصنوع من الحديد الزهر.
كيف أجريت التجربة؟
سخنت الفرن مسبقاً إلى أقصى درجة متاحة، وهي ٢٠٠°م.
وفي الوقت نفسه، وضعت القدر الهولندي على الموقد مباشرة لمدة تقارب ٢٠–٣٠ دقيقة، وراقبت حرارة سطحه باستخدام ميزان حرارة بالأشعة تحت الحمراء حتى وصلت القراءة إلى نحو ٢٥٠–٣٠٠°م.
نُقلت العجينة مباشرة إلى القدر الساخن، ورُشت بقليل من الماء، ثم أُغلق القدر ووُضع فوراً داخل الفرن المحمّى مسبقاً.
خُبز الرغيف مغطى لمدة تقارب ٢٠ دقيقة، ثم رُفع الغطاء واستُكمل الخَبز نحو ٢٠ دقيقة أخرى عند ٢٠٠°م حتى اكتمل التحمير والنضج.
بعد التبريد الكامل، أظهر الرغيف ارتفاعاً جيداً، وانفتاحاً واضحاً للشق، وقواماً داخلياً مرضياً.
ما التفسير العلمي؟
نجاح هذه الطريقة لا يعني أن فرناً بدرجة ٢٠٠°م أصبح يعادل فرناً بدرجة ٢٥٠°م. ما يحدث هو أننا نستفيد من الطاقة الحرارية المخزنة مسبقاً في كتلة الحديد الزهر.
عند إدخال العجينة الباردة نسبياً إلى القدر شديد السخونة، تنتقل الحرارة بسرعة إلى سطح العجين، في الوقت الذي لا تزال فيه الخمائر والغازات الموجودة داخل العجين تستجيب للارتفاع السريع في درجة الحرارة.
في الدقائق الأولى من الخَبز يحدث ما يُعرف بـ Oven Spring أو «الارتفاع الفرني»: تتمدد الغازات الموجودة داخل العجين، ويتحول الماء إلى بخار، بينما تظل بنية العجين قابلة للتمدد لفترة قصيرة قبل أن تتماسك.
وهذه المرحلة المبكرة هي تحديداً المرحلة التي تكون فيها الحرارة المرتفعة ذات أهمية كبيرة.
وما دور الغطاء والبخار؟
عند إغلاق القدر، يحتجز جزء كبير من الرطوبة المتحررة من العجين، إضافة إلى الماء المرشوش، فتتكون بيئة رطبة حول الرغيف.
وجود البخار في بداية الخَبز يؤخر جفاف سطح العجين وتكوّن القشرة الصلبة سريعاً، مما يسمح للرغيف بالتمدد بصورة أفضل ويساعد الشق على الانفتاح.
بعد انتهاء مرحلة الارتفاع الأساسية، يُرفع الغطاء للسماح للرطوبة بالخروج، وتجفيف القشرة وتحميرها.
لماذا يستطيع القدر الهولندي المساعدة؟
يمتلك الحديد الزهر كتلة حرارية مرتفعة نسبياً؛ أي إنه يستطيع تخزين كمية كبيرة من الطاقة الحرارية وإطلاقها تدريجياً.
لذلك، حتى عندما ينتقل القدر المسخن إلى فرن حرارته ٢٠٠°م، فإنه لا يفقد كل حرارته فوراً، بل يوفر في بداية الخَبز بيئة حرارية أعلى مما يستطيع الفرن وحده توفيره في تلك اللحظة.
وهنا تكمن فكرة التقنية: نعوّض جزئياً محدودية الفرن من خلال التسخين المسبق المكثف لوعاء الخَبز نفسه.
تنبيه مهم
هذه الطريقة ليست مناسبة لكل أنواع الأواني. يجب التأكد من أن القدر الهولندي مصنوع ومصنّف للاستخدام على الموقد وفي الفرن، وأن الغطاء والمقبض وجميع أجزائه تتحمل درجات الحرارة المستخدمة.
كما أن قراءة ميزان الحرارة بالأشعة تحت الحمراء هي قراءة لحرارة السطح وليست قياساً لدرجة حرارة كامل كتلة القدر، وقد تتأثر دقتها بطبيعة سطح الإناء.
والأهم: التعامل مع قدر حديد زهر بدرجة حرارة قد تقترب من ٣٠٠°م يحتاج إلى حذر شديد وقفازات حرارية مناسبة.
تقنيات التبسيط لا تعني اختصار العلم، وإنما فهمه جيداً حتى نستطيع الوصول إلى حلول أبسط باستخدام ما نملكه بالفعل.
وهذه، بالنسبة لي، أجمل صورة لمبدأ: العيش ببساطة… بجودة عالية
استجابات